تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على قطاع الطاقة، بعدما أدت الحرب على إيران إلى مضاعفة تكلفة واردات الغاز الطبيعي المسال، ما دفع القاهرة إلى تأجيل استلام شحنات غاز إلى عام 2027، وزيادة الاعتماد على زيت الوقود في محطات الكهرباء لخفض فاتورة الاستيراد. وفي الوقت نفسه، تراجع إنتاج الغاز المحلي إلى 3.63 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال أغسطس، مع استمرار انخفاض إنتاج الحقول القديمة بوتيرة أسرع من دخول الآبار الجديدة مرحلة التشغيل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تسريع أنشطة الاستكشاف وجذب استثمارات جديدة من شركات الطاقة العالمية.
وأوضح موقع أويل برايس، في تقرير نشره أليكس كيماني في 3 نوفمبر 2026، أن ارتفاع تكاليف شحنات الغاز الطبيعي المسال، وتعثر بعض الإمدادات القطرية، وتراجع الإنتاج المحلي، تضع مصر أمام تحديات متزايدة لتأمين احتياجاتها من الطاقة. وتسعى الحكومة إلى مواجهة هذه الضغوط عبر تأجيل بعض الشحنات، وزيادة واردات زيت الوقود، وتوسيع أنشطة البحث والاستكشاف، إلى جانب تسريع مشروعات الطاقة المتجددة.
مضاعفة تكاليف الغاز المسال وتأجيل الشحنات إلى 2027
دفعت الحرب على إيران تكلفة واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى الضعف، فيما طلبت القاهرة من الموردين تأجيل تسليم خمس شحنات من أصل 15 شحنة مقررة خلال نوفمبر إلى عام 2027، إضافة إلى نحو 15 شحنة أخرى سبق أن أجلتها منذ يوليو.
وفي هذا السياق، مددت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة التي أعلنتها بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال منذ أبريل، حتى نهاية ديسمبر، وفق إعلانها الصادر في 28 أكتوبر.
ونقل التقرير عن مسؤول حكومي قوله لوكالة «الشرق بلومبرج» إن سعر شحنة الغاز الطبيعي المسال الواحدة ارتفع بنسبة تصل إلى 100% منذ سبتمبر، متجاوزًا 100 مليون دولار.
وخصصت وزارة البترول 10.1 مليار دولار لاستيراد الغاز الطبيعي المسال خلال العام المالي الذي بدأ في 1 يوليو، وأنفقت نحو 5.8 مليار دولار من هذا المبلغ حتى 6 أكتوبر. كما رصدت الحكومة قرابة مليار دولار لتغطية شحنات نوفمبر.
ولخفض فاتورة الاستيراد، اشترت الهيئة المصرية العامة للبترول ست شحنات من زيت الوقود عالي الكبريت، على أن تصل خلال نوفمبر وديسمبر. وواصلت واردات مصر من زيت الوقود ارتفاعها منذ أبريل، متجاوزة 640 ألف طن خلال أكتوبر.
وتراجع إنتاج الغاز الطبيعي المصري بصورة مطردة منذ أواخر 2021، إذ بلغ متوسط الإنتاج 4.87 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال 2024، وهو أدنى مستوى في ثماني سنوات، قبل أن ينخفض إلى نحو 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا خلال النصف الثاني من 2025.
وفي يوليو، تجاوزت واردات مصر من الغاز حجم إنتاجها المحلي للمرة الأولى على الإطلاق. وانخفضت الواردات إلى 3.44 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال أغسطس، لكنها ظلت تمثل نحو نصف استهلاك البلاد، موزعة بين 2.24 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز الطبيعي المسال و1.20 مليار قدم مكعبة يوميًا عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل.
وتشير بيانات التقرير إلى أن شركاء حقل ليفياثان الإسرائيلي يمتلكون اتفاقًا بقيمة 35 مليار دولار لزيادة صادرات الغاز إلى مصر حتى عام 2040، في حين تفقد الحقول المصرية القائمة نحو 120 مليون قدم مكعبة يوميًا من إنتاجها كل شهر، وفق تقرير «الشرق بلومبرج».
وتتوقع شركة «كبلر» أن تساعد الآبار الجديدة وحقل مينا ويست التابع لشركة شل في الحفاظ على مستويات الإنتاج خلال أوائل 2027، قبل استئناف مسار التراجع مجددًا.
اكتشافات جديدة واستثمارات تتجاوز 19 مليار دولار لتعويض تراجع الإنتاج
تعهد وزير البترول كريم بدوي، في 16 سبتمبر، بإضافة نحو 330 مليون قدم مكعبة يوميًا إلى الإنتاج المحلي قبل نهاية 2026، تشمل نحو 250 مليون قدم مكعبة يوميًا من حقلي ظهر وغرب مينا في البحر المتوسط، ونحو 80 مليون قدم مكعبة يوميًا من حقل مليحة في الصحراء الغربية.
وبدأت بئر نيدوكو N-2 التابعة لشركة إيني الإنتاج في يوليو، بمعدل يقارب 55 مليون قدم مكعبة يوميًا في دلتا النيل.
كما أدخلت شركة بي بي بئر الفيوم-4 إلى الإنتاج في غرب دلتا النيل في 31 أغسطس، بمعدل يقارب 80 مليون قدم مكعبة يوميًا، أي قبل الموعد المحدد بنحو عامين، بعدما اعتمدت الشركة على الحفر الأفقي انطلاقًا من بئر قائمة.
وبدأت شركة عجيبة للبترول، المشروع المشترك بين إيني والهيئة المصرية العامة للبترول، تشغيل المرحلة الثانية من محطة مليحة بطاقة إنتاجية تبلغ 100 مليون قدم مكعبة يوميًا في 20 أكتوبر، بعد تأخر دام ثلاثة أسابيع عن الموعد الذي حدده وزير البترول. ومن المقرر أن يبدأ حقل مينا ويست التابع لشركة شل، بطاقة تقارب 120 مليون قدم مكعبة يوميًا، الإنتاج قبل نهاية العام.
وفي 24 أكتوبر، أعلنت وزارة البترول أن بئر التقييم نرجس-2 التابعة لشركة شيفرون في البحر المتوسط كشفت عن طبقات حاملة للغاز يصل سمكها إلى 35 مترًا.
ووصل عمق البئر إلى أكثر من 5 آلاف متر، وأكدت النتائج امتداد المكمن الذي اكتُشف سابقًا، إلى جانب العثور على طبقة إضافية حاملة للغاز.
وقدرت نشرة «ميد» احتياطيات اكتشاف نرجس الأصلي، الذي أُعلن عنه في ديسمبر 2022، بنحو 3.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز.
وتتولى شيفرون تشغيل منطقة الامتياز بحصة تبلغ 45%، بالشراكة مع إيني التي تمتلك 30%، ومبادلة للطاقة بنسبة 15%، وثروة للبترول بنسبة 10%. وكانت مبادلة قد اشترت حصتها من إيني في فبراير.
وفي 5 أكتوبر، وقعت شيفرون اتفاقية امتياز منطقة لوتس للمياه العميقة، والتزمت باستثمار 88 مليون دولار على الأقل لحفر بئرين استكشافيتين في مياه يتراوح عمقها بين ألفي و2800 متر، وهي منطقة لم تشهد حفر آبار استكشافية عميقة من قبل.
وحققت مصر تسعة اكتشافات جديدة خلال العام المالي المنتهي في يونيو، أضافت نحو 2.8 تريليون قدم مكعبة إلى احتياطيات الغاز.
وفي يوليو، أعلنت وزارة البترول اكتشافًا جديدًا في البئر العميقة وتدة بالصحراء الغربية، حيث أجرت شركة خالدة للبترول، المشروع المشترك بين أباتشي والهيئة المصرية العامة للبترول، اختبارات أظهرت إنتاجية تقدر بنحو 40 مليون قدم مكعبة يوميًا.
وتخطط الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» لحفر 16 بئرًا استكشافية إضافية خلال العام المالي الحالي، مستهدفة الوصول إلى نحو 6 تريليونات قدم مكعبة من الغاز.
وفي يونيو، أعلن وزير البترول سداد مستحقات شركات النفط والغاز الأجنبية العاملة في مصر، بعدما بلغت نحو 6.1 مليار دولار قبل عامين.
وتعهدت تلك الشركات باستثمارات تتجاوز 19 مليار دولار في مصر خلال السنوات الثلاث المقبلة، تتوزع بين 8 مليارات دولار من إيني، و5 مليارات دولار من بي بي، و4 مليارات دولار من أباتشي، وملياري دولار من أركيوس إنرجي.
وكانت وزارة البترول قد طرحت جولتي مزايدة في 11 أغسطس، ضمن خطة خمسية تستهدف زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز بحلول 2030.
وتطرح الهيئة المصرية العامة للبترول ست مناطق استكشافية في الصحراء الغربية وخليج السويس، بينما تعرض الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية ثماني مناطق في البحر المتوسط ودلتا النيل وشمال سيناء.
وأوضح بدوي أن عددًا من المناطق المطروحة يقع بالقرب من حقول منتجة وخطوط أنابيب ومحطات معالجة وموانئ تصدير، بما يسمح بربط الاكتشافات الجديدة بالشبكة بوتيرة أسرع وبتكلفة أقل.
وكانت المواعيد النهائية لتقديم العروض محددة في 11 نوفمبر و11 ديسمبر للجولتين، قبل أن تعلن مصر في 1 نوفمبر مد الموعدين إلى 14 ديسمبر.
الطاقة المتجددة بديل لتقليل الاعتماد على واردات الغاز
بالتوازي مع جهود زيادة الإنتاج المحلي، سارعت مصر خطط التوسع في الطاقة المتجددة، وقدمت موعد تحقيق مستهدفها من عام 2030 إلى 2028، في محاولة للحد من الاعتماد على واردات الغاز مرتفعة التكلفة.
وبلغت القدرة المركبة لمشروعات الطاقة المتجددة في مصر 9.5 جيجاوات خلال يوليو، وتستهدف الحكومة رفعها إلى 11.2 جيجاوات بحلول ديسمبر، مع زيادة قدرات تخزين الكهرباء بالبطاريات من 500 ميجاوات/ساعة إلى 1.2 جيجاوات/ساعة.
وبدأت المرحلة الثانية من مشروع أوبليسك للطاقة الشمسية، التابع لشركة سكاتك، بقدرة 564 ميجاوات، التشغيل التجاري في أغسطس، فيما دخل مشروع أبيدوس-2 التابع لشركة أيميا باور، بقدرة جيجاوات واحدة، مرحلة التشغيل التجريبي في سبتمبر.
وفي يونيو، وقعت مصر مذكرة تفاهم مع شركة «ساني» الصينية للطاقة المتجددة لإنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح في البلاد، إلى جانب إقامة مزرعة رياح بقدرة 2 جيجاوات في خليج السويس.
وفي أكتوبر، قال وزير المالية أحمد كجوك إن كل جيجاوات جديدة من قدرات الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الطاقة النووية توفر لمصر نحو 250 مليون دولار من واردات الغاز.
ورغم هذه الخطط، ارتفعت فاتورة واردات مصر من النفط والغاز بنحو 5 مليارات دولار، لتصل إلى قرابة 35 مليار دولار خلال العام المالي المنتهي في 30 يونيو.
وتعكس هذه التطورات حجم التحدي الذي تواجهه مصر في تحقيق التوازن بين تلبية الطلب المحلي على الطاقة، واحتواء تكاليف الاستيراد، واستعادة مستويات الإنتاج المحلي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على أسواق الغاز العالمية بفعل التوترات الجيوسياسية.
https://oilprice.com/Energy/Natural-Gas/Iran-War-Doubles-Egypts-LNG-Bill-as-Gas-Output-Keeps-Falling.html

